الثلاثاء، 1 يناير 2013

شهادة زوجات الرسول على صدق نبوته



أمهات المؤمنين


رسول الله وزوجاته

من المعلوم أن الزوجة هي أقرب الناس لزوجها؛ فهي تعلم سِرَّه قبل علنه، وتعلم حقيقة خُلُقه دون مواربة منه أو تَخَلُّق زائف، وهذا مع الزوجة الواحدة، فما بالُنا بزوجات كثيرات بلغْنَ التسع؟ فهل من المعقول أن تتواطأ تسعٌ من النساء الضرائر -وما يُعرف عنهن من الغيرة الشديدة- على تجميل وتحسين صورة زوجهن في حياته، وبعد مماته؟!

إن العقل ينقض هذا التصوُّر، فقد تحبُّ بعضهن زوجها، وقد تكرهه الأخريات؛ لسوء معاملته لهن، أو لتقريبه لبعضهنَّ دون الأخريات، فهل كان الأمر كذلك مع رسول الله ؟!

لقد كان الأمر مخالفًا لذلك تمام المخالفة بين رسول الله وزوجاته؛ فقد كُنَّ يتسابقن للقرب منه، كلُّهن يُحببنه حُبًّا شديدًا في حياته وبعد مماته، فقد كانت منهن الكبيرة العجوز، والصغيرة المتوقدة، ومنهن شديدة الغيرة، وسريعة الغضب، لكنهن قد اجتمعن على شيء واحد، ألا وهو حبُّهن للنبي محمد .
السيدة خديجة بنت خويلد

كانت أُولَى زوجات النبي السيدة خديجة بنت خويلد –رضي الله عنها- فقد عاش معها رسول الله خمسة وعشرين عامًا كاملة، لم تَرَ منه فيها إلاَّ كل جميل؛ لذلك فعندما نزل الوحي علي رسول الله ، وخاف خوفًا شديدًا ممَّا وجده من أثره في نفسه، وَقَفَتْ تُهَدِّئ من قلقه؛ فقالت له: "فوالله ما يخزيك الله أبدًا؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ[1]، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ..."[2].

ولم يكن هذا التأييد من السيدة خديجة -رضي الله عنها- مجرد كلمات عابرة، بل كانت الحقيقة كاملة؛ فقد كانت هذه أخلاق رسول الله التي عَهِدَتْهُ عليها، فأضحت أخلاقه معها في بيته مطابقة لأخلاقه خارجه، وهذا دليل على صدق نُبُوَّتِه، وهو الأمر الذي جعل السيدة خديجة –رضي الله عنها- تشهد لرسول الله بطيب المعشر، وحُسْن الخُلق.
شهادة السيدة عائشة

وقد شهدت أصغر زوجات النبي السيدة عائشة -رضي الله عنها- بحُسن خُلقه وصدقه، وهي أعلم الناس به؛ فقد كان رسول الله يُحبُّها ويُجِلُّها، بل تُوُفِّيَ رسول الله في حجرها وبين يديها، فوصفتْ السيدة عائشة –رضي الله عنها- خُلُقَهُ قائلة: "خُلُق نَبِيِّ اللهِ كَانَ الْقُرْآنَ"[3].
شهادة أم حبيبة بنت أبي سفيان

ومن أَجَلِّ المواقف التي جاءت في كتب السيرة، التي تشهدُ احترام وتوقير أمهات المؤمنين لرسول الله ، ذلك الموقف العجيب الذي حدث بين أُمِّ المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان، ووالدها أبي سفيان بن حرب زعيم قريش، وأحد ساداتها، وكان ما زال على كفره، ولم يُسْلِمْ بَعْدُ.

فحينما نقضت قريش عهدها مع رسول الله الذي أبرمته في الحُديبية، وانقضَّتْ على قبيلة خزاعة، فقتلتْ وسَبَتْ، خافت قريش من رسول الله ؛ فأرسلوا أبا سفيان إلى المدينة مُسرعًا؛ ليُجَدِّد العهد بين الفريقين، لكن رسول الله رفض طلب التجديد وعزم على فتح مكة. وموطن الشاهد هنا هو ذلك الحوار العجيب بين الابنة وأبيها، فعندما قدم أبو سفيان إلى المدينة، ذهب لزيارة ابنته بعد فراق طويل، وأعوام عديدة مَرَّت على رحيلها؛ بدايةً من هجرتها إلى الحبشة فرارًا بدينها، ونهاية بقدومها إلى المدينة، فدخل على ابنته أُمِّ حبيبة زوج رسول الله ، فلمَّا ذهب ليجلس على فراش رسول الله طَوَتْهُ عنه، فقال: يا بنيَّة، ما أدري أرغبتْ بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عنِّي؟ قالت: بل هو فراش رسول الله وأنت مشركٌ... فقال: والله لقد أصابك بعدي شَرٌّ[4].

إن هذا الموقف من أم المؤمنين أم حبيبة -رضي الله عنها- يعكس التربية الإسلامية لهذه الزوجة الصالحة؛ فهي تعلم تمام العلم أن محمدًا نبيٌّ صادقٌ، وأن أباها مشرك يعبد ما لا يضرُّ ولا ينفع، فأرادتْ بهذا الفعل أن تُوقِظَهُ من غفلته التي يحيا فيها أعوامًا عديدة، فطوت الفراش -وهو انعكاسٌ عما يجيش في صدرها من مقارنة محسومة لصالح زوجها الصادق محمد - ولم تكن أبدًا لصالح أبيها المشرك الذي طالما ناصب العداء لمحمد وصحبه!
شهادة أم المؤمنين صفية بنت أخطب

ومن أعظم الشهادات على صدقه شهادة أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب زعيم يهود بني قريظة، الذي أمر رسول الله بقتله لغدره وخيانته للعهد الذي تمَّ بينه وبين المسلمين؛ فها هي ذي –رضي الله عنها- تُحَدِّثُنَا عن خُلُقِهِ فتقول: "ما رأيتُ أحدًا قط أحسن خُلُقًا من رسول الله، لقد رأيته ركب بي في خيبر، وأنا على عجز ناقته ليلاً، فجعلتُ أنعس فتضرب رأسي مؤخرة الرَّحل، فيمسني بيده ويقول: يا هذه، مهلاً"[5].

ثم ها هي ذي تتمنَّى أن تُضَحِّيَ بنفسها فداءً لرسول الله ، وأن تتألم عِوَضًا عنه؛ فعن زيد بن أسلم أنه قال: "اجتمع نساؤه في مرضه الذي توفي فيه، فقالت صفية -رضي الله عنها-: إني والله يا نبي الله لوددتُ أن الذي بك بي... فقال النبي معلقًا على كلامها: "وَاللهِ! إِنَّهَا لَصَادِقَةٌ"[6]. بهذه الكلمات الرقيقة عَبَّرَتْ أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب عن مشاعرها تجاه النبي في وقتٍ لا تحتاج فيه إلى مداهنته، أو اتقاء شرِّه، ولكنها مشاعر امرأة آمنت بأنه نبي مرسل؛ ولذلك خاطبته بهذه الصفة قائلة: يا نبي الله. ومن عظمة الرسول أنه يشهد على صدق مشاعرها نحوه بعدما تغامز بها بعض أزواجه .

وكذلك عاشت كل زوجاته في كنفه؛ مؤمنات قانتات، عابدات لله ربِّ العالمين، كما تَعَلَّمْنَ من محمد الرسول قبل أن يكون الزوج.

ملحوظة قد ذكرها د / زغلول النجار أن رجل أسلم بسبب  شهادة زوجات النبي صلى الله عليه وسلم للحبيب المصطفى عليه افضل صلاة ولثنائهم عليه حبيبي يارسول الله ياخير خلق الله

المرجع


[1] الكَلّ: الثِّقْل من كل ما يُتكلَّف. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة كلل 11/590.


[2] البخاري: كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله (3)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله (160).


[3] مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض (746)، وأبو داود (1342)، والنسائي (1601)، وأحمد (24314).


[4] ابن القيم: زاد المعاد 3/350.


[5] أبو يعلى: المسند 13/29، 31، والطبراني: المعجم الأوسط 6/344، 345.


[6] عبد الرزاق: المصنف 11/431.

الاثنين، 31 ديسمبر 2012

شهادة غير المسلمين على صدق نبوة الرسول (2)


شهادة قريش لرسول الله

بل وقد اعترفت قريش بسائر بطونها بأنه صادق أمين، وهو أمر لا يستقيم لأيِّ أحد من الناس أن تجتمع القبيلة بكاملها على صدقه وأمانته، رغم الاختلافات الاجتماعية والنفسية بين أفرادها الكثيرين؛ ففي يوم من الأيام "خرج رسول الله  حتَّى أتى الصَّفَا، فصَعِدَ عليه فهتف: "يَا صَبَاحَاهُ"... فَلَمَّا اجتمعوا إليه قال: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً تَخْرُجُ مِنْ سَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟" قالوا: ما جَرَّبنا عليك كذبًا. قال: "فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ". فقال أبو لهبٍ: تبًّا لك! مَا جَمَعْتَنَا إِلاَّ لِهَذَا؟..."[15].
إن قريشًا كلَّها قد شهدت واعترفت بصدق محمد ، فلمَّا أخبرهم بحقيقة دعوته ورسالته، نَكَصُوا على أعقابهم[16]؛ تقليدًا لآبائهم، وخوفًا على مناصبهم وتجارتهم وأموالهم، فكان هذا الموقف -وغيره من المواقف الكثيرة بين رسول الله  وبين كفار قريش- دليلاً يحمل في طَيَّاته اعترافًا منهم بصدقه، ومن ثَمَّ صِدْق دعوته ونُبُوَّتِهِ.

اعتراف زعماء يهود بصدق نبوة محمد

كما اعترف زعماء اليهود بصدق نبوة محمد ، وهذا ما تقصه أم المؤمنين صفية بِنْتِ حُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ زعيم يهود بني قريظة فتقول: "كنت أحبّ ولد أبي إليه وإلى عمِّي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولدٍ لهما إلاَّ أخذاني دونه. قالت: فلما قَدِمَ رسول الله  المدينة، ونزل قُبَاء في بني عمرو بن عوفٍ، غدا عليه أبي، حيي بن أخطب، وعمِّي أبو ياسر بن أخطب، مُغَلّسَيْنِ[17]. قالت: فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس. قالت: فأتيا كالّين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى. قالت: فَهَشِشْتُ إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفتَ إليَّ واحدٌ منهما، مع ما بهما من الغمِّ. قالت: وسمعت عمِّي أبا ياسر وهو يقول لأبي حيي بن أخطب: أهو هو[18]؟ قال: نعم والله! قال: أَتَعْرِفُهُ وَتُثْبِتُهُ؟ قال: نعم. قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيتُ"[19].

اعتراف نصارى نجران بنبوة محمد

وما أجمل أن نختم مقالنا هذا باعتراف نصارى نجران بنبوة محمد  عندما رفضوا مباهلة[20] رسول الله  الذي امتثل لقوله تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ[آل عمران: 61]؛ فخرج إليهم رسول الله  ومعه علي والحسن والحسين وفاطمة، ودعاهم للمباهلة فقالوا: يا أبا القاسم، دَعْنَا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه. فانصرفوا عنه، ثم خَلَوْا بالعاقب، وكان ذا رأيهم، فقالوا: يا عبدَ المسيح، ماذا ترى؟ فقال: والله يا معشر النصارى لقد عرَفْتم أن محمدًا لنبيٌّ مرسل، ولقد جاءكم بالفَصْل من خَبَر صاحبكم[21]، ولقد علمتم أنه ما لاعَن قومٌ نبيًّا قط فبقي كبيرهم، ولا نبت صَغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعُوا الرجلَ ثم انْصَرِفُوا إلى بلادكم[22].
المراجع
[15] البخاري عن ابن عباس: كتاب التفسير (4687)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب في قوله تعالى: "وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ" (208).
[16] نَكَصَ على عقبيه: رجع عما كان عليه من الخير، ولا يقال ذلك إلاَّ في الرجوع عن الخير خاصَّة. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة نكص 7/101.
[17] الغَلَس: ظلام آخر الليل. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة غلس 6/156.
[18] يقصد بذلك رسول الله .
[19] ابن هشام: السيرة النبوية 1/517.
[20] المباهلة: الملاعنة، يقال: باهَلْت فلانًا أَي لاعنته. ومعنى المباهلة أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء فيقولوا: لعنةُ الله على الظالم منا. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة بهل 11/71.
[21] يقصد عيسى .
[22] انظر: ابن هشام: السيرة النبوية 1/584.

قلت لرجل تعوّد شرب الخمر : ألا تتوب إلى الله ؟



قلت لرجل تعوّد شرب الخمر :
ألا تتوب إلى الله ؟
...
فنظر إلىّ بانكسار، ودمعت عيناه، وقال :
ادع الله لي ..
تأملت في حال الرجل، ورقَّ قلبي ..
إن بكاءه شعور بمدى تفريطه في جنب الله ..
وحزنه على مخالفته، ورغبته في الاصطلاح معه ،
إنه مؤمن يقينا، ولكنه مبتلى!
وهو ينشد العافية ويستعين بيَ على تقريبها ..

قلت لنفسي :
قد تكون حالي مثل حال هذا الرجل أو أسوأ
صحيح أنني لم أذق الخمر قط،
فإن البيئة التي عشت فيها لا تعرفها ،
لكنّي ربما تعاطيت من خمر الغفلة ما جعلني
أذهل عن ربي كثيراً وأنسى حقوقه ،
إنه يبكي لتقصيره،
وأنا وأمثالي لا نبكي على تقصيرنا،
قد نكون بأنفسنا مخدوعين .
وأقبلت على الرجل الذي يطلب مني الدعاء ليترك الخمر ،

قلت له تعال ندع لأنفسنا معا :
"ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين"
..................................
الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله

الأحد، 30 ديسمبر 2012

شهادة غير المسلمين على صدق نبوة الرسول (1)




لم يشهد بصدق محمد  أحبابه ولا المؤمنون به فقط، بل شهد له من حاربه السنوات الطوال، فقلوب هؤلاء زعماء الكفر في مكة ومَنْ حولها من الأعراب كانت موقنة بأن محمدًا رسول الله صادقٌ غيرُ كذوب؛ فقد عايشوه أربعين عامًا قبل الرسالة، فلم يعهدوا عليه كَذِبًا، أو خيانة، أو سوءًا في الخُلق أو المعاملة، ولكنهم لم يؤمنوا به لمصالح خاصة عندهم.
وعندما مَنَّ الله على رسوله ، واصطفاه للقيام بأمر الدعوة إليه I، فقام يدعو الناس في السرِّ والعلن؛ فإذا بالقوم ينقلبون على أعقابهم؛ فكَذَّبُوا رسالته، وعَذَّبوا أصحابه، حتى أُخرج من مكة مُكْرَهًا، بعدما تآمروا على قتله.

شهادة أبي سفيان بن حرب

ومع كل هذا العنت والمشقَّة والتعذيب والتنكيل إلاَّ أن أعداءه قد شهدوا بصدق دعوته في مواطن كثيرة؛ وخير شاهد على ذلك حديث أبي سفيان بن حرب -الذي كان معاديًا لرسول الله  في أول الأمر- مع هرقل عظيم الروم، فقد روى عبد الله بن عباس أن أبا سفيان بن حرب قد أخبره "أن هرقل أرسل إليه في ركبٍ من قريش، وكانوا تُجَّارًا بالشام في المدَّة[1]التي كان رسول الله  مادَّ[2] فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأَتَوْهُ وهم بإيلياء، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه، فقال: "أيُّكُمْ أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلتُ: أنا أقربهم نسبًا. فقال: أدنوه منِّي، وقَرِّبُوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره[3]. ثم قال لترجمانه: قُلْ لهم: إني سائل عن هذا الرجل، فإن كَذَبَنِي فكَذِّبوه. فوالله! لولا الحياء من أن يَأْثِرُوا عليَّ كذبًا لَكَذَبْتُ عنه[4].
ثم كان أوَّل ما سألني عنه أن قال: كيف نسبُه فيكم؟ قلتُ: هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قطُّ قبله؟ قلتُ: لا. قال: فهل كان من آبائه من مَلِكٍ؟ قلتُ: لا. قال: فأشراف الناس يَتَّبِعُونَهُ أم ضعفاؤهم؟ فقلتُ: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلتُ: بل يزيدون. قال: فهل يرتدُّ أحد منهم سَخْطَةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلتُ: لا. قال: فهل كنتم تَتَّهِمُونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلتُ: لا. قال: فهل يَغْدِر؟ قلتُ: لا، ونحنُ منه في مدَّة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: ولم تُمْكِنِّي كلمة أُدْخِلُ فيها شيئًا غير هذه الكلمة[5]. قال: فهل قَاتَلْتُمُوهُ؟ قلتُ: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إيَّاه؟ قلتُ: الحرب بيننا وبينه سجال[6]؛ ينال مِنَّا وننال منه. قال: ماذا يأمركم؟ قلتُ: يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تُشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.
فقال للترجمان: قُلْ له: سألتُكَ عن نَسبه فذكرتَ أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تُبْعَث في نسب من قومها، وسألتُكَ: هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت أن لا، فقلتُ: لو كان أحدٌ قال هذا القول قبله لقلتُ: رجلٌ يَتَأَسَّى بقول قيل قبله، وسألتُكَ: هل كان من آبائه من مَلِك؟ فذكرتَ أن لا، قلتُ: فلو كان من آبائه مِنْ مَلِكٍ قلتُ: رجل يطلب مُلْكَ أبيه. وسألتُكَ: هل كنتم تَتَّهِمُونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرتَ أن لا؛ فقد أعرِفُ أنه لم يكن ليذرَ الكذب على الناس ويكذب على الله. وسألتُكَ: أشرافُ الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرتَ أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسُل، وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرتَ أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتمَّ، وسألتُكَ: أَيَرْتَدُّ أحد سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرتَ أن لا، وكذلك الإيمان حين تُخَالِط بشاشته القلوب[7]، وسألتُكَ: هل يَغْدِر؟ فذكرتَ أن لا، وكذلك الرُّسل لا تغدر، وسألتُكَ: بما يأمركم؟ فذكرتَ أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقًّا فسيملك موضع قَدَمَيَّ هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظنُّ أنه منكم، فلو أنِّي أعلم أَنِّي أَخْلُصُ[8] إليه لَتَجَشَّمْتُ[9] لقاءه، ولو كنت عنده لغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ[10]..."[11].
وفي هذا دليلٌ واضحٌ على صدق نُبُوَّة محمد ، فكلُّ ما أخبر به أبو سفيان واقعٌ قد رآه بعينه، وعايشه بعقله وجوارحه.

شهادة أبي جهل لعنه الله

ولم تكن شهادة أبي سفيان بن حرب الشهادةَ الوحيدة من عَدُوٍّ عاصر رسول الله  فأنصفه، ولا من هرقل الذي يتزعم دولة كبيرة حاربت المسلمين ردحًا من الزمن، بل كانت هناك شهادات من أعداء آخرين لا يَقِلُّونَ عداوة لرسول الله عنهما، بل يُعَدُّون من أكثر أعداء رسول الله  كُرْهًا له، وحَنَقًا عليه، وسعيًا لقتله ومحوه من بين ظهرانيهم.. إنه أبو جهل الذي بلغت عداوته لرسول الله  الذروة؛ فهو الذي أَصَرَّ على إشعال نيران الحرب بين الكافرين والمسلمين في غزوة بدر، وَجَرَّه كِبْرُه وجبروته لحتفه ومصرعه.
لقد شهد هذا العدُوُّ لرسول الله  بالصدق والنُّبُوَّة؛ فقد سأل المِسْوَرُ بن مخرمة خاله أبا جهل عن حقيقة محمد ، إذ قال: "يا خالي، هل كنتم تَتَّهِمُون محمدًا بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقال: يابن أختي، والله! لقد كان محمد  فينا وهو شابٌّ يُدْعَى الأمين، فما جَرَّبْنَا عليه كذبًا قطُّ. قال: يا خال، فما لكم لا تَتَّبِعُونه؟ قال: يابن أختي، تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف، فأَطْعَمُوا وأَطْعَمْنَا، وسَقَوْا وسَقَيْنَا، وأجاروا وأجرنا، حتى إذا تجاثينا[12] على الرُّكَبِ كُنَّا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ[13]، قالوا: مِنَّا نبي. فمتى نُدْرِكُ مثل هذه؟!
وقال: الأخنسُ بن شُريق يومَ بدر لأبي جهل: يا أبا الحكم، أَخْبِرْنِي عن محمد؛ أصادقٌ هو أم كاذب؟ فإنه ليس ها هنا من قريش أحدٌ غيري وغيرك يسمع كلامنا. فقال أبو جهل: ويحك! والله إن محمدًا لصادقٌ، وما كذب محمدٌ قطُّ، ولكن إذا ذهبتْ بنو قُصَيٍّ باللواء والحجابة والسقاية والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟"[14].
إن الاعترافين السَّابقين لأبي جهل -وهو العدُوُّ الأوَّل للدعوة الإسلامية- لدليلٌ واضح على صدق نُبُوَّة محمد ؛ فأبو جهل لا يُنازِع محمدًا اعتقادًا منه بأنه كاذب أو مُدَّعٍ، بل يُنازعه لأجل عصبية زائفة، تجعل الاعتراف بمحمد ونُبُوَّتِه أمرًا بالغ الصعوبة والتعقيد؛ إذ الاعتراف بنُبُوَّته سيجعل كفَّة بني هاشم راجحةً قويةً على سائر بطون قريش، وهو الأمر الذي يرفضه أبو جهل رفضًا قاطعًا.
المراجع
[1] المدة: يعني مدة الصلح بالحديبية، وكانت في سنة ست من الهجرة، وكانت مدتها عشر سنين. انظر: ابن حجر العسقلاني: فتح الباري 1/34، والنووي: المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج 12/103.
[2] مادَّ فيها أبا سفيان: أي جعل بينه وبينه مدة صلح. انظر: ابن حجر العسقلاني: فتح الباري 1/186.
[3] فاجعلوهم عند ظهره: أي: لئلاَّ يستحيوا أن يواجهوه بالتكذيب إن كذب. انظر: ابن حجر العسقلاني: فتح الباري 1/35، والنووي: المنهاج 12/104.
[4] يأثروا عليَّ كذبًا أي: ينقلوا عليَّ الكذب لكذبت عليه... وفيه دليل على أنهم كانوا يستقبحون الكذب؛ إمَّا بالأخذ عن الشرع السابق، أو بالعرف. انظر: ابن حجر العسقلاني: فتح الباري 1/35، والنووي: المنهاج 12/104.
[5] أي: أنتقصه به، على أن التنقيص هنا أمر نسبي، وذلك أن من يقطع بعدم غدره أرفع رتبة ممن يجوِّز وقوع ذلك منه في الجملة. انظر: ابن حجر العسقلاني: فتح الباري 1/35.
[6] سجال: أي: نُوَب، نوبة لنا ونوبة له. وينال أي: يصيب. فكأنه شبَّه الْمُحَارِبِينَ بِالْمُسْتَقِينَ: يستقي هذا دلوًا وهذا دلوًا. وأشار أبو سفيان بذلك إلى ما وقع بينهم في غزوة بدر وغزوة أحد. انظر: ابن حجر العسقلاني: فتح الباري 1/36، والنووي: المنهاج 12/105.
[7] تخالط بشاشته القلوب: يعني انشراح الصدور، وأصلها اللطف بالإنسان عند قدومه. انظر: ابن حجر العسقلاني: فتح الباري 1/37، والنووي: المنهاج 12/106.
[8] أخلُص أي: أصل، يقال: خلص إلى كذا أي وصل. انظر: ابن حجر: فتح الباري 1/37.
[9] لتجشَّمْتُ أي: تَكَلَّفْتُ الوصول إليه، ولكني أخاف أن أُقْتَطَعَ دونه. انظر: ابن حجر: فتح الباري 1/37، والنووي: المنهاج 12/107.
[10] لغسلتُ عن قدميه: مبالغة في العبودية له والخدمة. وفي اقتصاره على ذِكْرِ غسل القدمين إشارة منه إلى أنه لا يطلب منه -إذا وصل إليه سالمًا- لا ولاية ولا منصبًا، وإنما يطلب ما تحصل له به البركة. انظر: ابن حجر: فتح الباري 1/37.
[11] البخاري: كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله  (7)، ومسلم: كتاب الجهاد والسير، باب كتاب النبي إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام (1773).
[12] تجاثينا: أي جلسنا على الرُّكب للخصومة. وفي الروض الأنف: تجاذينا على الركب: وقع في الجمهرة الجاذي: المقعي على قدميه. قال: وربما جعلوا الجاذي والجاثي سواء. انظر: السهيلي: الروض الأنف 3/110، وانظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة جثا 14/131، ومادة جذا 14/136.
[13] كَفَرَسَيْ رِهَانٍ: يُضرب للمتساويين في الفضل، وقيل: للمتناصبين. انظر: الضبي: الأمثال 1/11.
[14] ابن القيم: هداية الحيارى ص50، 51.

السبت، 29 ديسمبر 2012

الشيخ الشعراوي وسؤال هل تفجير ملهى ليلي في إحدى الدول المسلمة حلال أم حرام ؟



كنت أناقش أحد الشباب المتشددين فسألته: هل تفجير ملهى ليلي في إحدى الدول المسلمة حلال أم حرام ؟
فقال لي : طبعا حلال وقتلهم جائز .
فقلت له : لو أنك قتلتهم وهم يعصون الله ما هو مصيرهم ؟
قال : النار طبعاً ..
فقلت له : الشيطان أين يريد أن يأخذهم ؟
فقال: إلى النّار طبعاً
فقلت له : إذن تشتركون أنتم والشيطان في نفس الهدف وهو إدخال النّاس إلى النار !
وذكرت له حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا مرّت جنازة يهودي أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم يبكي فقالوا : ما يبكيك يا رسول الله ؟؟ قال : نفس أفلتت منّي إلى النار
فقلت : لاحظ الفرق بينكم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى يسعى لهداية الناس وإنقاذهم من النار
أنتم في واد والحبيب محمد صلى الله عليه وسلم في واد !!!

الجمعة، 28 ديسمبر 2012

الشيخ الشعراوي رحمه الله و معنى ان المرأه ناقصات عقل ودين


عندما سئل فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله
عن معنى ان النساء ناقصات
عقل ودين ... فكانت هذه اجابة فضيلته :

ما هو العقل أولاً ؟

العقل من العقال ، بمعنى أن تمسك الشيىء وتربطه ، فلا تعمل كل ما تريد ..

فالعقل يعني أن تمنع نوازعك من الانفلات ، ولا تعمل إلا المطلوب فقط ..

إذن فالعقل جاء لعرض الآراء ، واختيار الرأي الأفضل . وآفة اختيار الآراء

الهوى والعاطفة ، والمرأة تتميز بالعاطفة .. 
وهذا أمر مطلوب لمهمة المرأة ..

إذن فالعقل هو الذي يحكم الهوى والعاطفة ، وبذلك فالنساء ناقصات عقل ،

لأن عاطفتهن أزيد ، فنحن نجد الأب عندما يقسو على الولد ليحمله على منهج

تربوي فإن الأم تهرع لتمنعه بحكم طبيعتها . والانسان يحتاج إلى الحنان ،

والعاطفة من الأم ، وإلى العقل من الأب ..

وأكبر دليل على عاطفة الأم تحملها لمتاعب الحمل والولادة والسهر على رعاية

طفلها ، ولا يمكن لرجل أن يتحمل ما تتحمله الأم ونحن جميعاً نشهد بذلك .

أما ناقصات دين فمعنى ذلك أنها تعفى من أشياء لا يعفى منها الرجل أبداً .

فالرجل لايعفى من الصلاة ، وهي تعفى منها في فترات شهرية . .

والرجل لايعفى من الصيام بينما هي تعفى كذلك عدة أيام في الشهر . .


والرجل لا يعفى من الجهاد والجماعة وصلاة الجمعة . .

 وبذلك فإن مطلوبات المرأة الدينية .. أقل من المطلوب من الرجل ..

وهذا تقدير من الله سبحانه وتعالى لمهمتها وطبيعتها .وليس لنقص فيها ،

ولذلك حكم الله سبحانه وتعالى فقال :

{ للرجال نصيب مما كسبوا ، وللنساء نصيب مما اكتسبن } [ سورة النساء : 32 ]

الأحد، 23 ديسمبر 2012

قال ابن عثيمين رحمه الله :(( أن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ...





قال ابن عثيمين رحمه الله :(( أن من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الكتابة إلى الملوك ، وأن لا يحقر الإنسان نفسه ، يكتب إلى الملك بما يرى أنه حق ، سواءا كان من ملك بلاده أو من ملوك آخرين ، يكتب إلى ما يرى أنه حق ولا يحقرن شيئا ، فربّ كلمة وقعت في قلب سامعها أو قارئها فينفع الله بها ، وها هو موسى عليه الصلاة السلام إجتمع عليه الخلق والسحرة وجُمعوا له في يوم الزينة يوم العيد ، فلما اجتمعوا قال كلمة واحدة قال ((ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى)) ، هذه الكلمة صارت بمنزلة القنبلة (( فتنازعوا أمرهم بينهم )) والأمة إذا تنازعت حل بها الفشل (( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين )) ولهذا آمن السحرة ، آمنوا بموسى فكانوا في أول النهار كفرة سحرة وصاروا في آخر النهار مؤمنين بررة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء )) اهـ.